حينما كنا في صفوف الدراسة، كان أحد الأساتذة يردد دائمًا: «المهندس ما وراء الكود» – يقصد الكود الهندسي – ثم يبدأ في تعداد أساطيره، أو بالأصح جرائمه، في تجاوز تطبيق الكود الهندسي. حينها كنت، ولا زلت، أتعجب مما كان يقوله هذا الأستاذ، وما أزال أتساءل: ما الذي دفعه لقول مثل هذا الكلام؟ هل لأنه يحب أن يبرز ويتفاخر أمام طلابه فقط، وأن هذا الكلام غير حقيقي؟ أم لأنه لم يكن لدينا قانون يجرّم تجاوز الكود الهندسي؟ أم لأن الكود الهندسي لم يكن قد اعتُمد لدينا بعد؟ أم لأنه لم يفهم أصلًا ما معنى الكود الهندسي وما الغرض من وجوده؟!

لا أدري، فما فعله ليس إنجازًا ولا أسطورة؛ فطلاب المراحل الأولى في كليات الهندسة يعلمون جيدًا أن الكود الهندسي يتضمن معاملات أمان كثيرة، وبالإمكان تجاوزها.

والواقع أن لدينا مشكلة حقيقية في مفهوم الكود الهندسي الشائع في الوسط الهندسي المحلي. وقد كنت، ولا زلت، أتحقق من شيوع هذا المفهوم وأسأل من أقابل من المهندسين عن مفهوم الكود الهندسي. وكنت أسألهم أيضًا في المقابلات الشخصية حينما كنت مسؤولًا عنها في إحدى شركات الاستشارات الهندسية. فالغالبية يعتقدون أن الكود يعطي طريقة للتصميم أو يقدم توجيهات للمهندس فقط ليستَرشد بها، ولا يدركون أنه مرجع نظامي وفني ملزم يُحتكم إليه في القضايا الهندسية.

فالكود الهندسي هو شريعة المهندس وميثاقه، ومهمة المهندس أن يوفر الأمان قبل المنتج، وبأقل التكاليف الممكنة، وأن يحمي نفسه أيضًا من أي تبعات قانونية. فلو فرضنا حدوث انهيار أو فشل للمنتج أو المنشأة – وهو ما يقل احتمال حدوثه بدرجة كبيرة إذا طُبق الكود الهندسي بصورة صحيحة – وعُرضت القضية للتحاكم، يكون المهندس قد أدى أمانته واتبع الكود الهندسي الذي يوفر الحد الأدنى من متطلبات التصميم الآمن، والذي أُعد بعد تجارب وخبرات طويلة، وعلى أيدي مختصين وخبراء يُوثق برأيهم ويُستند إلى خبرتهم.

يقول البعض: إن الكود الهندسي يتضمن الكثير من معاملات الأمان المبالغ فيها. لكن في الحقيقة، فإن أخطاء التنفيذ وسوءه قد تكون أكبر بكثير، وأرواح الناس أثمن بكثير من أسياخ الحديد. ولو نزل بعض من يقول هذا الكلام إلى ميادين تنفيذ المشاريع، ورأوا بأعينهم سوء التنفيذ وضعف مهنية العمالة في كثير من الأحيان، لغيّروا كلامهم، وربما أضافوا من عندهم أيضًا معاملات للأمان.

ويأتي هنا دور أساتذة الجامعات في تصحيح هذا المفهوم لدى الطلاب، وشرح الغرض من إعداد الكود الهندسي وأسباب وجود معاملات الأمان، وعدم تشجيعهم على تجاوزه، وزرع احترام الكود في الوسط الهندسي باعتباره مرجعًا نظاميًا وفنيًا يحمي المواطن والمهندس على حد سواء. كما يأتي دور الهيئات والجمعيات المهنية في تعزيز احترام الكود في الأوساط الهندسية.

وعندما كُتب هذا المقال لأول مرة، كان جزء من المشكلة أن كود البناء السعودي، الذي أُعدت نسخته الأولى عام 1428هـ، لم يكن قد دخل بعد مرحلة التطبيق الملزم بالصورة التي نعرفها اليوم. أما الآن، فقد أصبح كود البناء السعودي جزءًا أساسيًا من المنظومة التنظيمية لقطاع البناء والتشييد، وتطبق متطلباته على أعمال البناء وفق الأنظمة واللوائح المنظمة لذلك. وهذا تطور مهم، لكنه يجعل مسؤولية نشر ثقافة الالتزام بالكود وفهم الغرض منه أكثر أهمية، لا أقل.

ولا أنسى حينما كنا نجتمع مع بعض المهندسين غير العرب، فقد كان يعجبني احترامهم للكود وتوقفهم عند حدوده. فإذا كنا نتناقش حول تصميم معين يتضمن تجاوزًا للكود، يقولون ببساطة: “It does not comply with the code”، أي إن هذا التصميم لا يتوافق مع متطلبات الكود.

فهل تظنون أننا بحاجة إلى إلزام المهندسين بأداء قسم المهنة؟