في ظل الإنفاق الهائل والدعم السخي لمشاريع التنمية الذي تشهده بلادنا، في سبيل تطوير البنى التحتية وتحقيق التنمية المستدامة في مختلف مناطقها، تأتي التعثرات كمشكلة، بل ظاهرة – إن صح التعبير – لا بد من الاعتراف بها كخطوة أولى في مواجهتها وحلها. وقد صرحت نزاهة، في ذلك الوقت، بأن نسبة المشاريع المتعثرة بلغت 44% من المشاريع المطروحة.
وليست المشكلة فقط فيما تخلفه هذه التعثرات من تعطيل لعجلة التنمية وتأخير الاستفادة من هذه المشاريع، بل أيضًا فيما يصاحبها من التزامات مالية غير محسوبة مسبقًا، وهدر لميزانيات الجهات المالكة لهذه المشاريع.
وهنا يأتي السؤال: «لماذا تتعثر المشاريع؟». وسأجيب عنه بخطوط عريضة وأسباب رئيسة يندرج تحتها عدد كبير من الأسباب، إذ يصعب حصر أسباب تعثر المشاريع تفصيلًا.
تتعثر المشاريع حينما يتم طرحها بوثائق غير مدروسة أو غير معدة جيدًا، بحيث تحتوي على تناقضات تفتح سبيل الاجتهادات الفردية والإرباكات الإدارية التي لا تصب في مصلحة المشروع. فمن المهم جدًا العناية بإعداد مناقصة مدروسة ومدققة جيدًا، تنفي أي تناقض، وتصف جميع عناصر المشروع بدقة، مصحوبة بجداول كميات مدروسة جيدًا، ووثائق تحدد المهام والمسؤوليات والالتزامات بدقة ووضوح، وتوضح كامل احتياجات الجهة المالكة، حتى أثناء فترة التنفيذ.
تتعثر المشاريع حينما يتساهل المالك في اعتماد التصاميم والدراسات المطلوبة، وحين تبدأ مرحلة التنفيذ يتبين عدم مواءمة التصميم لطبيعة موقع المشروع، أو عدم تحقيقه لمتطلبات المالك، مما يسبب عددًا من طلبات التغيير التي تكون سببًا في كثير من الإرباكات والتعثرات. ومن المهم العناية بمرحلة اعتماد التصاميم، وإسنادها إلى مهندسين أصحاب خبرة طويلة في هذا المجال، وإعطاؤها الوقت الكافي لتتم على أكمل وجه.
تتعثر المشاريع حينما يكون هناك تعدد في المرجعية، بحيث يسهل على المقاول تجاوز الاستشاري المشرف ومدير المشروع ليجد طريقًا آخر وأبوابًا مفتوحة أمامه لينفذ ما يريد وما يصب في مصلحته، فلا يتعامل مع توجيهات الاستشاري المشرف ومدير المشروع بالجدية والصرامة المطلوبة. لذا لا بد من إعداد هيكلة تنظيمية جيدة والالتزام بها، وعدم إتاحة الفرصة لتجاوزها إلا في أضيق الحالات.
تتعثر المشاريع حينما يتساهل المالك في إرساء المشروع على مقاول غير قادر على تنفيذه بالمواصفات الفنية والوجه المطلوب، أو غير حاصل على التصنيف المناسب لهذه المشاريع، أو له سابقة سيئة في تعثر أو تأخير مشاريع موكلة إليه، أو حين لا تُدرس إمكاناته مقارنة بعدد المشاريع التي رست عليه. فالمقاول هو المحرك الرئيس للمشروع والمنفذ الفعلي له، وتنسب إليه نسبة كبيرة من أسباب التعثر المرتبطة بكفاءة التخطيط والإدارة والإمكانات الفنية والمادية.
تتعثر المشاريع حينما يتساهل المالك في تعيين أفراد فريق الاستشاري المشرف من حيث الأهلية والكفاءة. فالاستشاري المشرف هو من يمثل المالك في تطبيق المواصفات الفنية المطلوبة، وهو الذي يستلم مختلف عناصر المشروع، ووجود فريق عمل ضعيف يولد الكثير من الإرباكات في المشروع.
أخيرًا، يظل المشروع عملية معقدة يشترك فيها عدد من الأطراف، وتتداخل فيها مصالح عدة، لذا لا بد من إدارته إدارة احترافية تستطيع مواجهة المستجدات والنزاعات التي تطرأ أثناء التنفيذ، وتعمل على تسريع سير عمليات المشروع بالشكل المطلوب، منذ مراحله الأولى وحتى مرحلة لجان الاستلام النهائي.